عمان قصة عريقة

ربة عمون/فيلادلفيا/عمان

تقع مدينة عمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية في منطقة متوسطة من الهضبة الشرقية، في الضفة الشرقية لنهر الأردن، وكانت تشتهر بوفرة مياهها الجارية من عدة ينابيع مثل رأس العين، وعين غزال، التي تجري في سيل عمان، الذي يصب في نهر الزرقاء، ومناخها معتدل، وتربتها خصبة مما جعلها موطناً لاستيطان الأنسان فيها منذ أقدم العصور.
مدونة الراعوش

عمان في العصر الحجري الحديث

عثر على موقع يعود لهذا العصر في عين غزال، على الطريق الواصل بين مدينتي عمان والزرقاء، في الجهة الشمالية الشرقية من العاصمة عمان، حيث كشفت الحفريات الأثرية عن عدد من البيوت التي تعود لهذا العصر، ذات أشكال مستطيلة، وبيضوية، وكانت جدرانها وأرضياتها مقصورة بالجص ومدهونة، واعتمد السكان في معيشتهم على الصيد وزراعة الحبوب، وتربية الحيوانات، وربما كانت لهم علاقات تجارية مع بعض المناطق البعيدة مثل منطقة شرق الأناضول، حيث عثر على بعض الأدوات المصنوعة من الحجر البركاني الشفاف (الأوبسيديان)، المستورد من تلك المنطقة.
أما أهم مكتشفات هذا الموقع فكانت مجموعة من التماثيل المصنوعة من الصلصال المخلوط بالكلس والجص، وقد كشف عن اثنين وعشرين تمثالاً، بعضها عليه ألوان وخاصة العيون، والشعر، والوجنتين.
وجاءت بعض هذه التماثيل على شكل امرأة حامل، وبعضها مزدوجة لذكر وأنثى، وبعضها لأبقار في أحدها غرزت سكاكين صوانية، ربما تدل على معتقدات سحرية تتعلق بالصيد.
وكشف في الموقع عن مبنى يعتقد بأنه معبداً أو بناءً دينياً، يمثل واحداً من أقدم المباني الدينية المكتشفة  في العالم، بالإضافة إلى ممر مبلط يفصل بين البيوت السكنية، ونظام قنوات لتصرف المياه ، مما يدل على التطور الكبير الذي وصل إليه سكان هذا الموقع في هذا العصر المبكر في الألفين السابع والسادس قبل الميلاد.

عمان في العصور البرونزية

من أهم مواقع العصر البرونزي المبكر ( 3600 – 2000 ق .م ) موقع تل العميري، ويقع هذا التل على طريق مطار الملكة علياء الدولي، بالقرب من متنزه عمان القومي، ومن بين مكتشفات التل المهمة مدفن على نظام الدولمنز ، ذو حجارة ضخمة.
وفي موقع سحاب على بعد حوالي 12 كم جنوب مدينة عمان، توجد استمرارية في الاستيطان البشري في التل منذ العصر الحجري النحاسي في الألف الخامس قبل الميلاد، مروراً بالعصور البرونزية والحديدية.
وكشف عن مدفن يعود للعصر البرونزي المبكر، في المنطقة الواقعة بين المدينة الرياضية وصويلح.
وفي العصر البرونزي المتوسط (2000 – 1550 ق . م) كشف عن بقايا سور ضخم كان يحيط بموقع تل العميري، وكذلك بقايا لأسوار ضخمة في جبل القلعة تعود للعصر نفسه، وتتكون من جدارين متوازيين الأول بعرض 1,85م، والثاني بعرض 2 م، وبينهما منحدر مرصوف بالحجارة غير المشذبة، وكانت تغطيها طبقة من الملاط الكلسي، كما كشف عن مدفنين يعودان لهذا العصر قرب متحف الآثار الأردني.
وفي تل العميري كشف عن سور ضخم يعود لهذا العصر.
أما في العصر البرونزي المتأخر ( 1550– 1200 ق . م) فقد كشف عن العديد من المنشآت الأثرية التي ترجع في تاريخها لهذا العصر في تل العميري، وتل صافوط، ومعبد في مطار عمان (ماركا) ، ومعبد في المبرك، وبقايا معمارية مهمة في خربة الحنو قرب أم الدنانير غرب البقعه.
ومن أشهر آثار هذا العصر معبد مطار عمان، والذي بني بشكل مربع بطول 15 م، وبحجارة كبيرة غير مشذبة، وبجدران ضخمة بعرض 2 م، ويتكون مخططه من غرفة مركزية مربعة الشكل، طول ضلعها 5، 6 م، تمثل الهيكل المركزي الذي يحوي على المذبح، وتحيط فيها الغرف المستطيلة على شكل ممر، ويتميز المعبد بكثرة وغنى المكتشفات الأثرية فيه، ومن بينها الأواني الفخارية، والأدوات البرونزية، والحلي الذهبية، والخرز، والجعران المصرية، والأختام الأسطوانية، وكسر الآنية الفخارية المستوردة من بحر إيجة وقبرص، والتي تدل على وجود علاقات تجارية متطورة مع تلك المناطق.
ومن بين الأمور الملفتة للنظر في هذا المعبد العثور على كميات كبيرة من العظام البشرية المحروقة، التي تدل على وجود عادة تقديم قرابين بشرية للآلهة بعد حرقها، وهي عادة غريبة عن المنطقة.

عمـــان في العصــور الحـديـديـة

أصبحت عمان (جبل القلعة) في العصر الحديدي (1200 – 332 ق . م) عاصمة لدولة مهمة هي الدولة العمونية، التي امتدت أراضيها من نهر الزرقاء شمالاً، إلى وادي حسبان جنوباً، وإلى نهر الأردن غرباً.
ورد ذكر العمونيون وملوكهم في العهد القديم ، وفي الحوليات الآشورية، والبابلية، وكذلك وردت أسماء لهؤلاء الملوك في بعض النقوش والكتابات والأختام العمونية، فقد ورد اسم الملك شنيب في كتابة على أحد التماثيل تذكر (يرح عزر بن زاكير بن شنيب)، وذكرت أسماء ثلاثة ملوك في كتابة على قارورة تل سيران، هم عمينداب الثاني، ووالده حصل أيل، وجده عمينداب الأول، وعثر على ختم ل بعل ميشع آخر ملوك بني عمون.
وفي العصر الفارسي (539 – 332 ق . م) حكم منطقة عمان أسرة طوبيا العمونية، وكان لهذه الأسرة إقطاعية في وادي السير، والتي اشتهرت فيما بعد في العصر الهلنستي من خلال قصر العبد في عراق الأمير.
ومن أهم المكتشفات التي تعود للعمونيين مجموعة من التماثيل العمونية ، عثر عليها في جبل القلعة، وخربة الحجار بين وادي السير وناعور، وعرجان، وأبو علندا، أما أشهر المخلفات المعمارية العمونية فهي الأبراج العمونية، حيث تنتشر في ضواحي مدينة عمان مجموعة من الأبراج الضخمة، المبنية بالحجارة الجيرية والصوانية غير المشذبة، بني بعضها بشكل مستدير مثل رجم الملفوف الشمالي، وبني بعضها الآخر بشكل مربع مثل برج خلدا، وتتميز هذه الأبراج بموقعها على كتف واد، واتصالها بالأبراج الأخرى، ويتبع لكل برج بئر أو خزان مائي، وكانت تستخدم لأغراض السكن والدفاع والمراقبة.
يقع برج الملفوف الشمالي على كتف وادي صقره، في منطقة الدوار الثالث في جبل عمان، مقابل مبنى دائرة الآثار العامة حالياً، ويتكون البرج من ثلاثة طوابق، ويبلغ قطره من الخارج حوالي 20 م، ومن الداخل حوالي 14 م، والباقي من ارتفاعه حوالي 6 م، ويتكون الطابق السفلي من حجرات صغيرة مسقوفة، ربما استخدمت لأغراض خزن الحبوب، ومدخلها من خلال ممرات ضيقة من بناء مجاور، ويتكون الطابق العلوي من غرف كانت مخصصة لأغراض السكن.
ومن الأبراج العمونية الأخرى: برج خلدا، وأبو نصير، ورجم الكرسي (في منطقة المدينة الطبية)، وخربة الحجار.   

عمـان في العصـر الهلنسـتي

دخلت مدينة عمان ضمن السيطرة اليونانية بعد دخول الأسكندر الأكبر للمنطقة عام 332 ق . م، وبعد وفاته أصبحت عمان ومنطقة جنوب سوريا من ضمن ممتلكات بطليموس ملك مصر عام 301 ق . م، وفي عهد بطليموس الثاني (285 – 246 ق. م) أطلق على المدينة اسم فيلادلفيا تكريماً لأخته وزوجته أرسوني فيلادلفيا (المحبة الأخوية)، واهتم بطليموس الثاني بالمدينة وجعلها مركزاً إدارياً، وزودها بحامية من الفرسان، وأعاد تنظيمها على الطراز اليوناني، ثم أصبحت المدينة ضمن أملاك الدولة السلوقية بعد سيطرتهم على جنوب سوريا في مطلع القرن الثاني قبل الميلاد، ولكن معظم الآثار التي تعود لهذا العصر قد طمرت أسفل الأبنية الرومانية، والأبنية اللاحقة، والمبنى الوحيد القائم المتبقي من هذا العصر هو قصر العبد الذي ورد ذكره سابقاً. 

عمـان في ظـل الأنبــاط

كانت مدينة عمان إحدى المحطات المهمة على طريق القوافل النبطية، وخاصة الطريق الواصل شمالاً إلى مدينة بصرى، وبالقرب منها جرت معركة بين الأنباط وهيرود الكبير، وكشف عن مدفن نبطي في المدينة يؤرخ إلى منتصف القرن الأول الميلادي، عثر فيه على عدد من الآنية الفخارية الجميلة مثل الصحون ، والقوارير ، والأسرجة.


شكرا لتعليقك